تُعدّ مسألة التأثير في القلوب والمشاعر والعلاقات الإنسانية من
المسائل التي تحتاج إلى بيان شرعي دقيق، ولا سيما مع انتشار ما يُعرف بسحر المحبة،
وسحر العطف، وسحر الصرف، وسحر التهييج والجلب والتسليط.
فقد يسعى بعض الناس إلى كسب محبة شخص أو استمالة قلبه، وقد يسعى آخرون
إلى إفساد علاقة زوجية أو إحداث الكراهية والنفور بين شخصين، ويلجأ بعضهم إلى
السحرة والمشعوذين لتحقيق هذه الأغراض.
ومن هنا لا بد من التفريق بين المحبة التي يطلبها الإنسان من الله
تعالى بالدعاء والطرق المشروعة، وبين محاولة التأثير في القلوب بالسحر والاستعانة
بالشياطين والوسائل المحرّمة.
أولاً: سحر المحبة أو العطف (التِّوَلة)
التِّوَلة هي نوع من السحر يُقصد به تحبيب أحد الزوجين إلى الآخر، أو
إحداث التعلق والمودة بين شخصين بوسائل سحرية محرّمة.
وقد قال رسول الله ﷺ:
«إن الرقى والتمائم والتِّوَلة شرك» رواه أبو
داود وابن ماجه.
والتِّوَلة من أعمال السحر التي يُراد بها التأثير في المشاعر
والعلاقات الإنسانية بطرق غير مشروعة.
ولا يجوز للإنسان أن يلجأ إلى السحرة ليجعل شخصاً يحبه أو يتعلق به،
سواء كان ذلك بين الزوجين أو بين رجل وامرأة أو بين أي شخصين.
ثانياً: سحر الصرف والتفريق
وهو السحر الذي يُقصد به إحداث الكراهية والنفور بين شخصين، أو إفساد
العلاقة بين الزوج وزوجته، أو بين الأقارب والأصدقاء.
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا النوع من السحر في قوله تعالى:
﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ
وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة: 102].
وهذا النوع من السحر محرّم، لما فيه من الاعتداء والإفساد وإلحاق
الضرر بالناس.
ثالثاً: سحر التهييج والجلب والتسليط
تُستخدم هذه المصطلحات عند بعض السحرة والمشتغلين بالدجل والشعوذة،
ويُراد بها غالباً إحداث التعلق أو إثارة الشهوة أو دفع شخص إلى ملاحقة شخص آخر أو
التعلق به بصورة غير طبيعية.
لكن ينبغي التنبيه إلى أن هذه التسميات ليست جميعها أقساماً شرعية
ثابتة بأدلة مستقلة، وإنما هي مصطلحات متداولة بين الناس وأصحاب الممارسات السحرية.
والعبرة ليست بالاسم الذي يُطلق على العمل، وإنما بحقيقته ومضمونه
ووسيلته.
فإذا كان العمل يتضمن السحر أو الاستعانة بالشياطين أو الطلاسم
المحرّمة، فهو من المحرمات، ولو سُمّي جلباً أو تهييجاً أو محبة أو تسليطاً.
رابعاً: هل كل تأثير في القلوب يُعدّ سحراً؟
لا، وهذه مسألة مهمة جداً.
فالتأثير في القلوب ليس محرّماً على إطلاقه، بل منه المشروع والمباح،
ومنه المحرّم.
ويمكن تقسيمه إلى ثلاثة أنواع:
1. التأثير في القلوب بالدعاء والرقية الشرعية
كأن يسأل الإنسان ربّه أن يؤلف بين قلبه وقلب زوجته، وأن يزيل ما
بينهما من نفور وخلاف، وأن يرزقهما المحبة والرحمة والسكينة.
وهذا جائز، بل هو من الدعاء المشروع.
قال الله تعالى:
﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ
جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾
[الأنفال: 63].
2. التأثير في القلوب بالأسباب الطبيعية المباحة
مثل حسن المعاملة، والصدق، والوفاء، والإحسان، والكلمة الطيبة،
والاهتمام، والتواصل الحسن.
فهذه أسباب طبيعية ومشروعة لكسب المحبة والمودة، ولا تدخل في السحر أو
المحظورات الشرعية ما دامت منضبطة بالأخلاق والأحكام الشرعية.
3. التأثير في القلوب بالسحر والاستعانة بالشياطين
وهو أن يلجأ الإنسان إلى الساحر ليؤثر في قلب شخص آخر، أو يجعله
متعلقاً به، أو يصرفه عن غيره، أو يثير فيه الكراهية والنفور.
وهذا محرّم شرعاً، وقد يصل إلى الكفر الأكبر بحسب ما يتضمنه من أقوال
وأفعال واعتقادات.
خامساً: هل يجوز استعمال الزيت والماء والبخور في الرقية؟
ينبغي التفريق بين الوسائل المباحة والممارسات المرتبطة بالشعوذة.
-
قراءة القرآن على الماء أو الزيت واستعمالهما بنية الرقية أمر جائز
عند أهل العلم وجمهور العلماء.
-
استعمال العسل وزيت الزيتون والماء ونحوها من المباحات للعلاج جائز.
-
أما الاعتقاد بأن مادة معينة تمتلك قدرة غيبية خاصة على جلب المحبة
أو تسخير القلوب دون دليل شرعي، فلا يجوز.
-
تخصيص البخور بطقوس سحرية أو عزائم شركية، أو استخدامه بقصد
الاستعانة بالجن واستحضارهم، أمر محرّم شرعاً؛ لأن كثيراً من السحرة يستخدمون
أنواعاً معينة من البخور ضمن طقوسهم الشيطانية، ويتخذونها وسيلة للتقرب إلى الجن
واستدعائهم، ظناً منهم أن بعض أنواع الجن تتأثر بروائح معينة أو تنتفع بها. ثم
يلجأ الساحر إلى طلب العون منهم في تنفيذ أعماله المحرّمة، مقابل ما يقدمه لهم من
تلك الطقوس والقرابين الشيطانية. ولذلك فإن استعمال البخور بهذه الكيفية لا يُعدّ
مجرد استعمال لمادة عطرية، بل يدخل في الممارسات المحرّمة لما قد يصاحبه من
استعانة بالشياطين ووسائل شركية.
سادساً: هل يجوز للراقي الشرعي علاج سحر المحبة والصرف؟
نعم، يجوز له علاج من ابتُلي بالسحر، سواء كان مما يُسمّى سحر العطف
أو الصرف أو التفريق، بالرقية الشرعية القائمة على القرآن الكريم والأدعية الثابتة،
دون الاستعانة بالجن أو الشياطين أو الطلاسم أو الممارسات المحرّمة.
قال رسول الله ﷺ:
«لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك» رواه مسلم.
وهذا الحديث أصل عظيم في بيان مشروعية الرقية، وأن المحرّم منها ما
اشتمل على الشرك أو المحظورات الشرعية.
سابعاً: عدم الجزم بوجود سحر المحبة أو الصرف
من الأخطاء التي يقع فيها بعض المعالجين الجزم بأن كل تعلق شديد أو
نفور مفاجئ أو خلاف زوجي سببه السحر.
فقد تكون لهذه الحالات أسباب نفسية أو اجتماعية أو صحية أو عاطفية،
ولا يجوز أن ننسب كل تغير في المشاعر إلى السحر دون دليل معتبر.
كما لا يجوز اتهام شخص بعينه بأنه سحر فلاناً أو فرّق بين زوجين
اعتماداً على الأحلام أو الظنون أو كلام بعض المشعوذين الا بعد اثبات الحجة والدليل
.
فالظن ليس دليلاً، واتهام الناس بالسحر بغير بيّنة قد يؤدي إلى الظلم
والقطيعة والفتنة.
ثامناً: هل كل من مارس السحر يُحكم عليه بالكفر الأكبر؟
هذه مسألة عقدية تحتاج إلى ضبط.
فالسحر من كبائر الذنوب، وقد يكون كفراً أكبر إذا اشتمل على الشرك
الأكبر أو الكفر، كدعاء الشياطين أو التقرب إليهم بما يتضمن الكفر.
لكن لا يصح الحكم على كل شخص مارس عملاً يُسمّى سحراً بالكفر الأكبر
دون معرفة حقيقة العمل وما اشتمل عليه من أقوال وأفعال واعتقادات، مع مراعاة ضوابط
الحكم على المعيّن عند أهل العلم.
تاسعاً: لا يملك الساحر ولا الراقي التحكم المستقل في القلوب
من أهم أصول العقيدة الإسلامية أن الله تعالى وحده هو المتصرف في
الكون، وأنه لا يقع شيء إلا بمشيئته سبحانه.
قال الله تعالى:
﴿وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:
102].
فلا الساحر يملك القلوب، ولا الراقي يملك الشفاء، ولا أحد من الخلق
يستطيع أن يستقل بالتأثير في مصائر الناس.
وإنما تقع الأمور بأسبابها وتحت مشيئة الله وتقديره.
عاشراً: الضابط الشرعي الجامع بين المحبة المشروعة والسحر
المحرّم
يمكن تلخيص المسألة في ثلاثة أصول:
-
التأثير في القلب بالدعاء: جائز، وهو من
التوكل والافتقار إلى الله.
-
التأثير في القلب بالأسباب الطبيعية المباحة:
جائز، كحسن المعاملة والإحسان والمودة.
-
التأثير في القلب بالسحر والاستعانة بالشياطين:
محرّم، وقد يصل إلى الشرك الأكبر بحسب حقيقته.
وهنا يظهر الفرق الجوهري بين أن تسأل الله أن يجعل المودة والرحمة بين
قلبين، وبين أن تلجأ إلى ساحر ليجعل إنساناً يتعلق بك بوسائل محرّمة.
فالأول دعاء وعبادة وافتقار إلى الله، فالقلوب بين يدي الله، يؤلف
بينها متى شاء، ويصرفها كيف شاء،
والثاني اعتداء على الحدود الشرعية، واستعمال لوسائل محرّمة لتحقيق غايات شخصية وما
بني على باطل فهو باطل ولن يدوم .
نسأل الله تعالى أن يؤلف بين القلوب، وأن يصلح ذات البين، وأن يحفظ
المسلمين من السحر والشعوذة والشرك، وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح.
اخوكم المعالج بالرقية الشرعية حسن العوجي / مركز الشفاء للرقية الشرعية -
صيدا / 03654576