هل سُحر الأنبياء؟
وهل يتعارض السحر مع عصمة الأنبياء وحفظ الله لهم؟
من المسائل التي يكثر السؤال عنها في باب السحر
والرقية الشرعية: هل يمكن أن يتعرض الأنبياء للسحر؟ وهل ثبت أن النبي محمدًا ﷺ سُحر؟
وإذا كان الله سبحانه وتعالى يحفظ أنبياءه ويرعاهم، فكيف يمكن أن يصل إليهم أذى
السحر؟
هذه المسألة تناولها أهل العلم بالبحث والشرح، وثبت
فيها حديث صحيح في سحر النبي محمد ﷺ، وهو حديث لا يجوز رده لمجرد الاستشكال في فهمه،
بل ينبغي فهمه في ضوء عقيدة عصمة الأنبياء وحفظ الله لهم فيما كُلّفوا بتبليغه.
أولاً: هل ثبت أن النبي محمدًا ﷺ تعرض للسحر؟
نعم، ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ تعرض للسحر على يد
رجل يُدعى لبيد بن الأعصم، وكان من يهود بني زريق.
وقد روت أم المؤمنين عائشة رضي الله
عنها:
«سُحِرَ رسولُ اللهِ ﷺ رجلٌ من بني زُرَيق، يقال
له لبيد بن الأعصم، حتى كان رسول الله ﷺ يُخيَّل إليه أنه كان يفعل الشيء وما فعله...»
والحديث رواه الإمام البخاري والإمام مسلم.
وفي تتمة الحديث أن النبي ﷺ دعا الله سبحانه وتعالى،
فأطلعه الله على حقيقة ما أصابه وموضع السحر، وبيّن له ما حدث، ثم عافاه الله تعالى
منه.
وهذا الحديث أصل مهم في إثبات تعرض النبي ﷺ للسحر، وقد
تلقاه أهل الحديث بالقبول، وشرحه العلماء وبيّنوا معناه، وأوضحوا أنه لا يتعارض مع
عصمة النبي ﷺ في تبليغ الرسالة.
ثانياً: كيف يؤثر السحر في النبي ﷺ مع أن الله يحفظه؟
ينبغي هنا التفريق بين أمرين:
الأول: حفظ الله لأنبيائه في تبليغ الوحي والرسالة،
وصيانتهم من أن يدخل الخلل فيما يبلغونه عن ربهم.
الثاني: ما قد يتعرضون له من ابتلاءات وأمراض وأذى من
أعدائهم في شؤون الحياة، كما يتعرض سائر البشر للمرض والجراح والتعب والمحن.
فعصمة الأنبياء لا تعني أنهم لا يمرضون، ولا يُجرحون،
ولا يصيبهم أذى من الناس، وإنما تعني أن الله يحفظهم فيما يتعلق برسالتهم وتبليغهم
عن الله سبحانه وتعالى.
والسحر الذي أصاب النبي ﷺ لم يكن متعلقاً بالوحي، ولم
يؤثر في صدق ما يبلغه عن ربه، وإنما كان أثره في أمر من أمور الحياة الخاصة، كما
ورد في الحديث.
ولهذا لا يصح أن يُتخذ هذا الحديث ذريعة للطعن في
النبوة أو التشكيك في القرآن الكريم أو في تبليغ النبي ﷺ لرسالة ربه.
ثالثاً: هل يتعارض سحر الأنبياء مع عصمتهم وحماية الله لهم؟
هذا الاعتراض قديم، وقد أجاب عنه العلماء بأن حماية
الله لأنبيائه لا تعني منع كل أنواع الابتلاء عنهم، وإنما يبتليهم سبحانه بما يشاء
لحِكَم عظيمة، ويرفع درجاتهم، ويظهر صبرهم، ويجعل في سيرتهم عبرة لمن يأتي بعدهم.
وقد جاء في بيان هذه الحكمة النص
الآتي:
«وأما قولكم:
إن سحر الأنبياء ينافي حماية الله تعالى لهم؛ فإنه
سبحانه كما يحميهم، ويصونهم، ويحفظهم، ويتولاهم؛ فيبتليهم بما شاء من أذى الكفار
لهم= ليستوجبوا كمال كرامته، وليتسلّى بهم من بعدهم من أُممهم وخلفائهم إذا أوذوا
من الناس فرأوا ما جرى على الرسل والأنبياء صبروا ورضوا وتأسوا بهم، ولتمتلئ صاع
الكفار فيستوجبون ما أعد لهم من النكال العاجل والعقوبة الآجلة، فيمحقهم بسبب
بَغيِهم وعداوتهم، فيعجّل تطهير الأرض منهم. فهذا من بعض حكمته تعالى في ابتلاء
أنبيائه ورسله بإيذاء قومهم، وله الحكمة البالغة والنعمة السابغة لا إله غيره ولا
رب سواه».
وهذا الكلام يوضح أن الابتلاء الذي يتعرض له الأنبياء
لا ينافي حفظ الله لهم، بل هو من حكمته سبحانه وتعالى، وأن ما يصيبهم من أذى لا
يمنع كرامتهم عند الله ولا ينقص من مقامهم.
رابعاً: هل يمكن أن يؤثر السحر في الوحي وتبليغ الرسالة؟
هذا من أهم الاعتراضات التي تُثار عند الحديث عن سحر
النبي ﷺ.
والجواب أن السحر الذي ثبت في الحديث لم يؤثر في الوحي،
ولم يغيّر شيئاً من الشريعة، ولم يجعل النبي ﷺ يبلّغ عن الله ما لم يقله، أو يكتم
شيئاً مما أُمر بتبليغه.
فالله سبحانه وتعالى تكفّل بحفظ رسالته، قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ
إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ
يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: 67].
وقال سبحانه:
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ إِنْ هُوَ
إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ [النجم: 3-4].
فما يتعلق بتبليغ الوحي والدين محفوظ بعصمة الله
سبحانه وتعالى، ولا يجوز الخلط بين الابتلاء الذي يصيب الإنسان في بعض شؤونه
الدنيوية وبين ما يتعلق بمهمة النبوة والرسالة.
خامساً: هل تعرض الأنبياء الآخرون للسحر؟
ثبت في القرآن الكريم أن الأنبياء تعرضوا لأنواع
مختلفة من الأذى والابتلاء من أقوامهم، فقد أوذي إبراهيم عليه السلام وأُلقي في
النار، وتعرض موسى عليه السلام للأذى والتكذيب والتهديد من فرعون وقومه، كما تعرض
نبينا محمد ﷺ للأذى والجراح ومحاولات الاعتداء.
أما القول بأن جميع الأنبياء تعرضوا للسحر، فلا يوجد
دليل صحيح يثبت ذلك على وجه العموم.
وينبغي التفريق بين ما ثبت بنص شرعي، وبين ما يمكن أن
يُذكر في باب الاحتمال أو التفسير؛ فثبوت سحر النبي محمد ﷺ لا يعني أن كل نبي تعرض
للسحر، وإنما نثبت ما ورد به الدليل.
سادساً: هل سحر التخيل الذي أصاب النبي ﷺ هو نفسه سحر سحرة فرعون؟
ورد في القرآن الكريم ذكر سحر التخيل في قصة موسى عليه
السلام مع سحرة فرعون، قال تعالى:
﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ
وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ﴾
[طه: 66].
وهذا نوع من السحر ظهر أثره في تخييل الأشياء للناظرين
على غير حقيقتها.
أما ما ورد في حديث سحر النبي ﷺ، فقد كان يخيل إليه
أنه فعل شيئاً من أمور حياته الخاصة ولم يكن قد فعله.
وهناك تشابه من جهة ورود التخيل في الحالتين، لكن لا
ينبغي الجزم بأنهما صورة واحدة من السحر أو أن تفاصيلهما متطابقة؛ فلكل واقعة نصها
وسياقها.
سابعاً: ماذا نتعلم من تعرض النبي ﷺ للسحر؟
إن في هذه الحادثة دروساً عظيمة، من
أهمها:
-
أن السحر أمر ورد ذكره في القرآن الكريم والسنة
النبوية الصحيحة.
-
أن الأنبياء قد يتعرضون للابتلاء والأذى، ولا
يتعارض ذلك مع حفظ الله لهم.
-
أن وقوع السحر لا يعني أن الساحر يمتلك قدرة
مستقلة عن مشيئة الله، قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ
بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 102].
-
أن الشفاء والعافية بيد الله سبحانه وتعالى، وأن
على المسلم اللجوء إليه بالدعاء والرقية الشرعية.
-
أن عصمة الأنبياء في تبليغ الوحي أصل عظيم لا
يتعارض مع تعرضهم للأمراض والابتلاءات الدنيوية.
خلاصة القول :
نعم، ثبت أن النبي محمدًا ﷺ تعرض للسحر، وهذا ثابت في
صحيحي البخاري ومسلم، ولا يتعارض ذلك مع عصمة الأنبياء وحفظ الله لهم؛ لأن السحر
الذي أصابه لم يؤثر في الوحي ولا في تبليغ الرسالة، وإنما كان ابتلاءً في أمر من
أمور الحياة الخاصة، وقد عافاه الله منه.
أما تعميم القول بأن جميع الأنبياء تعرضوا للسحر، فلا
يصح من غير دليل.
ونحن عندما نتحدث عن السحر والرقية الشرعية، ينبغي أن
ننطلق من القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، وأن نفهم النصوص في مواضعها، دون
إنكار ما ثبت أو تحميل النصوص ما لا تحتمل.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يحفظنا بحفظه، وأن يعافينا
من كل سوء، وأن يجعلنا من المتبعين لسنة نبيه ﷺ، المتمسكين بكتابه، المتوكلين عليه
في جميع أمورنا.