حقيقة السحر عبر المذاهب الإسلامية الأربعة
|
|
| حقيقة السحر عبر المذاهب الإسلامية الأربعة | |||
|
|||
|
|||
|
| |||
|
| |||
|
حقيقة السحر | |||
|
| |||
|
• دراسة عقدية وفقهية موسعة في حقيقة السحر وأنواعه وتأثيره وحكمه في الإسلام | |||
المقدمةالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فإن موضوع السحر من الموضوعات المهمة التي كثر حولها الكلام، وتعددت فيها التصورات، واختلطت فيها الحقائق الشرعية بالموروثات الشعبية والخرافات والأوهام. فمن الناس من ينكر وجود السحر وتأثيره مطلقاً، ومنهم من يبالغ في إثباته حتى ينسب إليه كل مرض، وكل خلاف زوجي، وكل تعثر في الحياة، وكل حالة نفسية أو جسدية. وبين الإفراط والتفريط ينبغي للمسلم أن يقف عند حدود النصوص الشرعية، وأن يفهم أقوال العلماء فهماً صحيحاً، بعيداً عن المبالغة والتهوين. لقد أثبت القرآن الكريم وجود السحر، وذكر أن بعض أنواعه قد يترتب عليها التفريق بين الزوجين، كما أثبتت السنة النبوية الصحيحة تعرض النبي صلى الله عليه وسلم للسحر، مع بقاء عصمته في تبليغ الرسالة. وقد تناول فقهاء المذاهب الإسلامية الأربعة هذه المسألة بالبحث والتفصيل، فبحثوا حقيقة السحر، وأنواعه، وحكم تعلمه وتعليمه، وحكم الساحر، والعقوبات المتعلقة به. ومن هنا تأتي أهمية هذا البحث، الذي نسعى من خلاله إلى بيان حقيقة السحر في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية، واستعراض موقف المذاهب الأربعة منه، وبيان ما اتفقوا عليه وما اختلفوا فيه. المبحث الأول: حقيقة السحر في اللغة والاصطلاحأولاً: السحر في اللغةالسحر في اللغة يدور حول معانٍ متعددة، من أهمها الخفاء والاستتار والتمويه وصرف الشيء عن وجهه الظاهر. وسمي السحر سحراً لاشتماله على أمور خفية وأسباب مستورة، وطرق يلتبس بها الحق بالباطل، وقد يظهر الشيء على غير حقيقته. ثانياً: السحر في الاصطلاح الشرعيالسحر في الاستعمال الشرعي اسم لأعمال وأقوال واعتقادات ووسائل خفية، قد تتضمن الاستعانة بالشياطين، أو الاستعاذة بهم، أو استعمال الطلاسم والعقد والنفث، أو التخييل والتمويه، بقصد إحداث أثر معين أو إظهار أمر على خلاف حقيقته. وليس كل ما يسمى سحراً في اللغة يأخذ الحكم الشرعي نفسه؛ فالسحر الذي يقوم على الكفر والاستعانة بالشياطين ليس كالحيل البصرية والخداع، وإن اشتركت بعض هذه الأمور في التلبيس والتمويه. ومن هنا ينبغي التفريق بين حقيقة السحر من الناحية العقدية، وبين الوسائل التي يستعملها السحرة، وبين الحكم الشرعي المترتب على كل صورة منها. المبحث الثاني: حقيقة السحر في القرآن الكريمأثبت القرآن الكريم السحر في مواضع متعددة، وذكر بعض أنواعه وآثاره، ومن أهم الآيات التي تناولت هذه المسألة: أولاً: قوله تعالى في سورة البقرةقال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: 102]. هذه الآية من أعظم الأدلة على وجود السحر، وقد تضمنت حقائق مهمة: أولاً: أن السحر كان معروفاً وموجوداً. ثانياً: أن الشياطين كان لها دور في تعليم الناس السحر. ثالثاً: أن نبي الله سليمان عليه السلام بريء من السحر والكفر. رابعاً: أن تعلم السحر وتعليمه من الأمور المحرمة. خامساً: أن بعض صور السحر قد تبلغ بصاحبها إلى الكفر. ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: 102]. وفي هذا تحذير من خطورة هذا الباب، وبيان أن بعض صور السحر تتضمن أموراً كفرية. ثانياً: قوله تعالى في تأثير السحر على العلاقة الزوجيةقال تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 102]. تثبت هذه الآية إمكان حصول التفريق بين الزوجين بسبب السحر، ولكنها في الوقت نفسه تقرر قاعدة عظيمة، وهي أن السحر لا يستقل بالتأثير، ولا يملك الساحر أن يضر أحداً استقلالاً عن مشيئة الله تعالى. فلا يقع شيء في الكون خارج سلطان الله وقدره. وهذا الإذن إذن كوني قدري، وليس إذناً شرعياً بمعنى أن الله يحب السحر أو يرضى به. ثالثاً: قوله تعالى في سحرة فرعونقال الله تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ﴾ [طه: 65-66]. تثبت هذه الآية نوعاً من السحر يقوم على التخييل والتأثير في إدراك المشاهد. فليس كل ما يراه الإنسان من أعمال السحرة تحولاً حقيقياً للأشياء، بل قد يكون خداعاً بصرياً وتمويهاً وتخييلًا. رابعاً: قوله تعالى في سورة الأعرافقال سبحانه وتعالى: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: 116]. وهذه الآية تؤكد أن من صور السحر التأثير في رؤية الناس وإدراكهم، وإظهار الأمور على غير حقيقتها. خامساً: قوله تعالى في سورة الفلققال سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: 4-5]. استدل جمهور المفسرين بالآية الرابعة على السحر الذي يستعمل فيه النفث في العقد، وهو من الصور المعروفة في أعمال السحرة. وتدل سورة الفلق على مشروعية الاستعاذة بالله من شر السحر والحسد وسائر الشرور. المبحث الثالث: هل السحر حقيقة أم مجرد خيال ووهم؟هذه من أهم المسائل التي وقع فيها الخلاف بين العلماء، وهي تحتاج إلى تحرير علمي؛ لأن إثبات وجود السحر لا يعني أن كل ما يدعيه السحرة حقيقة، كما أن وجود التخييل لا يعني أن جميع أنواع السحر مجرد خيال. أولاً: مذهب جمهور أهل السنة والجماعةذهب جمهور علماء أهل السنة إلى أن للسحر حقيقة، وأنه قد يؤثر في بدن الإنسان أو إدراكه أو حالته النفسية، وقد يقع بسببه المرض أو التفريق بين الزوجين، وقد يبلغ الضرر إلى الموت، ولكن كل ذلك لا يقع إلا بمشيئة الله وقدره. واستدلوا بأدلة منها:
وهذا هو القول المشهور عند جمهور علماء أهل السنة، مع اختلافهم في تفاصيل أنواعه وكيفية تأثيره. ثانياً: القول بأن السحر تخييل وخداعذهب بعض العلماء إلى أن كثيراً مما يراه الناس من أعمال السحرة إنما هو تخييل وخداع وتمويه، وليس تحولاً حقيقياً للأشياء. ومن العلماء الذين نُقل عنهم الميل إلى تفسير بعض صور السحر بالتخييل والخداع: أبو بكر الجصاص من الحنفية، في تفسيره لبعض صور السحر. وابن حزم الظاهري، الذي أنكر كثيراً من الدعاوى المتعلقة بالتأثير الخارق للسحر. وبعض المعتزلة الذين حملوا آيات السحر على التخييل والحيل. واستدل أصحاب هذا الاتجاه بقوله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ﴾ [طه: 66]. وقالوا إن الآية تثبت أن ما حدث في مشهد سحرة فرعون كان تخييلاً للأعين، وليس انقلاباً حقيقياً للحبال والعصي إلى حيات. ثالثاً: تحرير محل النزاعمن الخطأ أن نجعل المسألة محصورة في سؤال واحد: هل السحر حقيقة أم خيال؟ والصواب التفريق بين عدة صور: أولاً: سحر التخييل، وهو خداع البصر والإدراك وإظهار غير الحقيقة. ثانياً: سحر الشعوذة، وهو الحيل والخدع والوسائل الخفية التي يستعملها بعض المشعوذين. ثالثاً: السحر الذي يستعان فيه بالشياطين، وهو من أخطر الأنواع، وقد يتضمن الكفر والشرك بحسب حقيقة العمل. رابعاً: السحر الذي يثبت له تأثير حقيقي في بعض أحوال الإنسان بإذن الله تعالى، وهو ما أثبته جمهور أهل السنة. خامساً: الادعاء بتحويل الإنسان إلى حيوان أو تغيير حقائق الأشياء، فهذه دعاوى لا تثبت بمجرد حكايات السحرة أو ادعاءاتهم. سادساً: ادعاء معرفة الغيب، وهو باطل، ولا يملك الساحر علم الغيب. والراجح عند جمهور أهل السنة إثبات حقيقة السحر وتأثير بعض أنواعه، مع الإقرار بأن منه ما هو تخييل وخداع وشعوذة. المبحث الرابع: موقف المذاهب الإسلامية الأربعة من حقيقة السحرينبغي التنبيه إلى أن المذاهب الأربعة مدارس فقهية واسعة، وليست كل مسألة فيها قولاً واحداً لا خلاف فيه. كما أن البحث في حقيقة السحر يختلف عن البحث في حكم الساحر، وعن البحث في عقوبته. أولاً: مذهب الحنفيةيقرر فقهاء الحنفية تحريم السحر، ويبحثون حكم الساحر بحسب حقيقة عمله واعتقاده وما يتضمنه من أقوال وأفعال. ومن أهم المسائل التي يذكرونها:
وقد تناول الحنفية هذه المسائل في كتبهم، ومن المراجع المهمة في ذلك كتاب أحكام القرآن للجصاص، وكتب الفقه الحنفي في أبواب الحدود والردة. ومن المهم معرفة أن هناك تفصيلات في المذهب تتعلق بالفرق بين الساحر الذي يتضمن عمله الكفر، وبين من يمارس عملاً محرماً لا يبلغ الكفر. الخلاصة في المذهب الحنفي: السحر محرم، وقد يكون كفراً إذا اشتمل على موجب من موجبات الكفر، وليس كل من وقع في عمل يسمى سحراً يحكم بكفره حكماً مطلقاً. ثانياً: مذهب المالكيةشدد فقهاء المالكية في أمر السحر، واعتنوا بما يشتمل عليه من أقوال وأفعال شركية أو كفرية. ومن أبرز المسائل التي يقررها فقههم:
وقد اشتهر في كتب المالكية التشديد في حكم الساحر، وتوجد في المذهب تفصيلات في الاستتابة والعقوبة، بحسب حقيقة السحر ونوع العمل الذي قام به الساحر. ولا يصح نقل حكم فقهي خاص بصورة معينة وجعله حكماً شاملاً لجميع أنواع السحر. كما لا يجوز للأفراد تنفيذ العقوبات أو الاعتداء على من يتهمونه بالسحر؛ لأن إقامة العقوبات من اختصاص القضاء والسلطة المختصة. الخلاصة في المذهب المالكي: السحر من أعظم المحرمات، وما كان منه متضمناً للكفر فهو كفر، وللمذهب تفصيلات في عقوبة الساحر وأحكامه. ثالثاً: مذهب الشافعيةيقرر الشافعية أن السحر أنواع، وأن الحكم عليه يختلف باختلاف حقيقته ومضمونه. فليس كل ما أطلق عليه اسم السحر يأخذ حكم الكفر، وإنما ينظر إلى ما يتضمنه من اعتقاد أو قول أو فعل. ومن أهم المسائل في المذهب:
وقد بحث الإمام النووي وغيره من علماء الشافعية مسائل السحر ضمن أبواب الفقه والعقائد، وقرروا ضرورة التمييز بين أنواع السحر وأحكامها. الخلاصة في المذهب الشافعي: العبرة بحقيقة العمل ومضمونه، فليس كل سحر كفراً، لكن ما اشتمل على الكفر فهو كفر، وما كان محرماً دون ذلك فهو محرم. رابعاً: مذهب الحنابلةذهب الحنابلة إلى إثبات حقيقة السحر وتأثيره، وتحدث فقهاؤهم عن أنواعه وأحكام الساحر. ومن المسائل المهمة في المذهب:
وقد تناول ابن قدامة في كتابه المغني مسائل الساحر وأحكامه، كما تناول ابن تيمية أنواع السحر وحقيقة الاستعانة بالشياطين في كتبه. الخلاصة في المذهب الحنبلي: السحر له حقيقة وتأثير، لكنه ليس نوعاً واحداً، ولا يحكم بكفر كل من انتسب إليه إلا بعد النظر في حقيقة عمله. المبحث الخامس: أوجه الاتفاق والاختلاف بين المذاهب الأربعةبعد النظر في أقوال فقهاء المذاهب الأربعة، يمكن بيان أهم أوجه الاتفاق والاختلاف فيما يلي: أولاً: المسائل التي اتفقت عليها المذاهب الأربعةاتفقت المذاهب الأربعة على تحريم السحر، وعلى خطورة تعلمه وتعليمه والعمل به. كما اتفقت على أن ما اشتمل على الكفر والشرك من أعمال السحر يكون كفراً، وأن الحكم على الأشخاص بأعيانهم يحتاج إلى النظر في حقيقة ما صدر منهم وتحقق شروط الحكم وانتفاء موانعه. واتفقت كذلك على أن السحر ليس من الأعمال المباحة التي يجوز للمسلم ممارستها، وأنه لا يجوز الإضرار بالناس من خلاله. ثانياً: المسائل التي وقع فيها التفصيل والخلافاختلف الفقهاء في بعض صور السحر، وفي تحديد ما يعد كفراً منها وما لا يعد كذلك. كما وقع بينهم خلاف في عقوبة الساحر، وفي بعض أحكام الاستتابة، وفي التفريق بين أنواع السحر وأثر كل نوع. وكذلك وقع خلاف بين العلماء في تفسير حقيقة بعض أنواع السحر، وهل هي تأثير حقيقي أم تخييل وخداع. ومن هنا لا يصح القول إن المذاهب الأربعة اتفقت على كل تفاصيل هذه المسائل، وإنما الصحيح أن هناك أصولاً مشتركة، وتفصيلات وخلافات داخل المذاهب وبينها. المبحث السادس: هل ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم سُحر؟هذه المسألة من المسائل المهمة التي ثبت أصلها في الأحاديث الصحيحة. فقد ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم سُحر، حتى كان يُخيَّل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله، حتى أخبره الله تعالى بحقيقة الأمر، ودلّه على موضع السحر. وفي الحديث أن الذي سحره رجل يقال له لبيد بن الأعصم، وأن السحر كان في مشط ومشاطة، وفي جف طلعة ذكر، ووضع في بئر ذروان. وهذا الحديث ثابت في صحيح البخاري وصحيح مسلم. ماذا نستفيد من هذا الحديث؟أولاً: إثبات وقوع السحر للنبي صلى الله عليه وسلم. ثانياً: إثبات أن السحر قد يؤثر في بعض الأمور البشرية بإذن الله. ثالثاً: أن السحر لا يخرج الإنسان عن بشريته، ولا يجعله مسلوب الإرادة بالضرورة. رابعاً: أن الله سبحانه وتعالى يحفظ أنبياءه في تبليغ رسالاته. خامساً: أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب من تلقاء نفسه، وإنما يطلعه الله على ما شاء من الغيب. هل أثر السحر في الوحي والنبوة؟الجواب: لا. فقد عصم الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم في تبليغ الوحي وأداء الرسالة، ولا يجوز فهم حديث السحر على أنه طعن في عصمة النبي أو تشكيك في القرآن أو السنة. وغاية ما دل عليه الحديث وقوع عارض في بعض الشؤون البشرية، مما لا يمس تبليغ الرسالة ولا حجية الوحي. وهذا من أهم ما ينبغي توضيحه عند مناقشة منكري الحديث أو من يسيئون فهمه. المبحث السابع: أنواع السحر وأشكالهليس السحر نوعاً واحداً، بل تتعدد صوره ووسائله، ويمكن تقسيمه من الناحية الشرعية إلى الأنواع التالية: أولاً: السحر الذي يقوم على الاستعانة بالشياطينوهو من أخطر الأنواع، ويكون من خلال أعمال وأقوال تتضمن الاستغاثة بالشياطين أو تعظيمهم أو التقرب إليهم بما لا يجوز شرعاً. وقد يصل هذا النوع إلى الكفر والشرك إذا تضمن عبادة غير الله أو صرف شيء من خصائص العبادة لغيره. ثانياً: سحر التفريقوهو ما يقصد به إفساد العلاقة بين الزوجين أو الأقارب أو الأصدقاء. قال تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة: 102]. ومن المهم التأكيد أن الخلافات الزوجية ليست دليلاً على وجود سحر التفريق، فقد تكون أسبابها نفسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو أخلاقية. ثالثاً: سحر التخييلوهو إظهار الشيء على غير حقيقته، والتأثير في رؤية الإنسان وإدراكه. ومثاله ما وقع لسحرة فرعون، قال تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ [الأعراف: 116]. رابعاً: السحر الذي يقصد به الإضرار بالأبدانوهو ما يقصد به الساحر إلحاق الضرر بالإنسان في بدنه أو صحته. والأصل أن الضر والنفع بيد الله تعالى، ولا يجوز الجزم بأن مرضاً معيناً ناتج عن السحر دون دليل. خامساً: السحر الذي يقصد به تعطيل المصالحيدعي بعض السحرة أنهم يستطيعون منع الزواج أو تعطيل التجارة أو إفساد العمل أو منع الرزق. والواجب التفريق بين وقوع المصائب والابتلاءات التي قدرها الله وبين ادعاءات السحرة، فلا يصح اعتبار كل تأخر في الزواج أو خسارة مالية دليلاً على السحر. سادساً: سحر المحبة والتفريقيسمي بعض الناس أعمالاً معينة بسحر المحبة أو التهييج أو العطف، ويقصدون بها التأثير في مشاعر الآخرين وإرادتهم. وهذه الأعمال محرمة إذا تضمنت سحراً أو استعانة بالشياطين أو إضراراً بالناس أو اعتداءً على حقوقهم. المبحث الثامن: هل يستطيع الساحر التأثير في الإنسان بإرادته؟هذه مسألة تحتاج إلى ضبط عقدي دقيق. فالساحر لا يملك قوة مستقلة عن الله، ولا يستطيع أن يفرض على الله أمراً، ولا أن يتصرف في الكون كما يشاء. قال الله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 102]. فالسحر لا يقع إلا بمشيئة الله وقدره، ولا يملك الساحر أن يضمن نتيجة عمله أو أن يفرض تأثيره على الناس. ويجب هنا فهم الفرق بين أمرين: الإذن الكوني القدري: وهو ما يقع في الكون بمشيئة الله وقدره، سواء كان مما يحبه الله شرعاً أو مما لا يحبه. الإرادة الشرعية: وهي ما يحبه الله ويرضاه ويأمر به عباده. فقد يقع السحر كوناً، لكنه محرم شرعاً. هل يملك الساحر التحكم الكامل بالمسحور؟لا. فليس للساحر سلطان مطلق على الإنسان، ولا يستطيع أن يضمن نتيجة عمله، ولا أن يجعل شخصاً يفعل ما يشاء في كل وقت. كما أن الاستجابة الجسدية أو النفسية لأي مؤثر تختلف من إنسان إلى آخر، ولا يصح أن ننسب كل تصرف غير معتاد إلى السحر. المبحث التاسع: حكم تعلم السحر وتعليمه والعمل بهالسحر من المحرمات العظيمة، وقد جعله النبي صلى الله عليه وسلم من السبع الموبقات. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اجتنبوا السبع الموبقات». قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات». رواه البخاري ومسلم. هل كل ساحر كافر؟لا بد من التفصيل. فمن مارس عملاً يتضمن عبادة الشياطين أو الاستغاثة بهم أو اعتقاداً كفرياً، فهذا قد وقع في الكفر بحسب حقيقة ما صدر منه. أما من ارتكب عملاً محرماً لا يتضمن الكفر، فلا يجوز تكفيره لمجرد تسميته ساحراً دون النظر في حقيقة عمله. والتكفير حكم شرعي خطير، له شروط وموانع، وليس متروكاً للظنون أو الاتهامات. هل يجوز قتل الساحر؟وردت في كتب الفقه أقوال وتفصيلات في عقوبة الساحر، وتختلف بحسب المذهب، ونوع السحر، وثبوت الجريمة، وما إذا ترتب عليه قتل أو اعتداء. لكن لا يجوز للأفراد أن يتولوا قتل من يتهمونه بالسحر، ولا أن يعتدوا عليه أو يقتحموا منزله أو يعاقبوه بأنفسهم. فإثبات الجريمة والعقوبة من اختصاص القضاء والسلطات الشرعية والقانونية المختصة. المبحث العاشر: هل كل مريض أو متعثر أو مبتلى يكون مسحوراً؟من أكبر الأخطاء المنتشرة في المجتمعات أن يُربط كل مرض أو مشكلة بالسحر. فإذا أصيب إنسان بصداع قيل له: أنت مسحور. وإذا تأخر زواجه قيل له: عندك سحر تعطيل. وإذا اختلف مع زوجته قيل له: هذا سحر تفريق. وإذا أصيب بمرض نفسي قيل له: هذا تسلط جن. وهذا منهج غير صحيح، وقد يؤدي إلى إهمال العلاج الطبي والنفسي، وزيادة الخوف والوسواس، واستغلال حاجة الناس. القاعدة الشرعيةليس كل عرض دليلاً على السحر، وليس كل اضطراب نفسي دليلاً على المس، وليس كل مرض جسدي دليلاً على الحسد. بل ينبغي النظر في الأسباب المحتملة، ومنها: أولاً: الأسباب العضوية والطبية. ثانياً: الأسباب النفسية والسلوكية. ثالثاً: الأسباب الاجتماعية والأسرية. رابعاً: الأسباب المتعلقة بالضغوط الحياتية. خامساً: الأسباب الغيبية التي لا يجوز الجزم بها بمجرد الظن. والراقي الشرعي الملتزم لا يشخص السحر من مجرد الأعراض، ولا يدعي معرفة الغيب، ولا يزرع الشك في نفوس الناس. من أخطر مظاهر الاستغلال
وهذه التصرفات لا تمثل الرقية الشرعية الصحيحة. المبحث الحادي عشر: طرق الوقاية من السحر والعلاج منه شرعاًالإسلام لم يترك المسلم أمام الخوف من السحر، بل شرع له أسباب الوقاية والتحصين والعلاج. أولاً: تحقيق التوحيد والتوكل على اللهأعظم ما يتحصن به المسلم هو تحقيق التوحيد، والاعتماد على الله، والمحافظة على الفرائض، والابتعاد عن المعاصي. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3]. ثانياً: المحافظة على أذكار الصباح والمساءفالأذكار من أعظم أسباب الحفظ بإذن الله. ومن أهمها:
ثالثاً: قراءة القرآن الكريمومن أعظم ما يقرأ في الرقية: سورة الفاتحة: وهي من أعظم سور القرآن في الرقية. آية الكرسي: لما ثبت في فضلها من الحفظ بإذن الله. خواتيم سورة البقرة: لما ورد في فضل قراءتهما. سورة الإخلاص والفلق والناس: لما فيها من التوحيد والاستعاذة بالله من الشرور. آيات السحر: ومنها آيات سورة البقرة والأعراف ويونس وطه. رابعاً: الرقية الشرعيةالرقية الشرعية تكون بالقرآن الكريم والأدعية النبوية الصحيحة، وبالكلام المباح المفهوم، مع الاعتقاد بأن الشفاء من الله وحده. ولا يشترط في الرقية وجود طلاسم أو بخور أو أحجبة أو أسماء مجهولة أو استحضار للجن. خامساً: الدعاء والاستغفارينبغي للمسلم أن يكثر من الدعاء والاستغفار، وأن يسأل الله العافية والشفاء. ومن الأدعية النبوية: «اللهم رب الناس، أذهب البأس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سقماً». رواه البخاري ومسلم. سادساً: الأخذ بالأسباب الطبيةلا تعارض بين الرقية الشرعية والعلاج الطبي. فإذا كان الإنسان يعاني من مرض عضوي أو نفسي، فعليه مراجعة الطبيب المختص، ويمكنه أن يجمع بين العلاج الطبي والرقية الشرعية دون تعارض. المبحث الثاني عشر: الفرق بين الرقية الشرعية والسحر والشعوذةالرقية الشرعية تقوم على القرآن والسنة والأدعية المباحة، وتدعو إلى التوحيد والتوكل على الله، ويعتقد الراقي والمريض أن الشفاء من الله وحده. أما السحر والشعوذة فقد تقوم على الطلاسم والاستعانة بالشياطين والأقوال المجهولة، وقد تتضمن الشرك والكفر وادعاء علم الغيب. والرقية الشرعية لا تحتاج إلى أحجبة أو رموز مجهولة أو أسماء غير مفهومة، ولا يجوز أن تتحول إلى وسيلة لابتزاز المريض أو تخويفه. والأصل أن الرقية الشرعية عبادة مشروعة، أما السحر فمحرم، ولا يجوز الخلط بينهما. المبحث الثالث عشر: مسائل مهمة يكثر السؤال عنهاالسؤال الأول: هل السحر يؤثر في الزواج؟نعم، أثبت القرآن إمكان التفريق بين الزوجين بالسحر، ولكن ليس كل خلاف زوجي سحراً، فقد تكون له أسباب طبيعية ونفسية واجتماعية. السؤال الثاني: هل يمكن أن يموت الإنسان بسبب السحر؟ذكر الفقهاء إمكان حصول الموت بسبب السحر، مع بقاء الأمر كله تحت مشيئة الله، ولا يجوز نسبة وفاة شخص معين إلى السحر دون دليل. السؤال الثالث: هل يمكن أن يؤثر السحر في العقل؟ورد في كلام العلماء إثبات تأثير السحر في بعض الإدراكات والأحوال، لكن لا يجوز اعتبار كل اضطراب عقلي أو نفسي ناتجاً عن السحر. السؤال الرابع: هل يستطيع الساحر أن يعرف مكان السحر؟لا يعلم الساحر الغيب، ولا يجوز تصديق ادعائه معرفة مكان السحر أو صاحبه من خلال الجن. السؤال الخامس: هل كل من ذهب إلى ساحر يكفر؟مجرد الذهاب لا يقتضي الحكم بكفر كل شخص بعينه، ولكن الذهاب إلى السحرة والعرافين محرم وخطير، وتختلف الأحكام باختلاف ما يصدر عن الشخص من تصديق أو اعتقاد أو أعمال. السؤال السادس: هل يمكن إبطال السحر بالقرآن؟نعم، الرقية بالقرآن والأدعية المشروعة من أسباب العلاج، والشفاء بيد الله تعالى. السؤال السابع: هل يجوز حل السحر بالسحر؟لا يجوز علاج السحر بالاستعانة بالسحرة والشياطين أو بأعمال محرمة، وإنما يكون العلاج بالطرق المشروعة. وقد وردت مسألة النشرة في كتب الفقه، وفيها تفصيل بين النشرة المحرمة التي تقوم على السحر، والنشرة الجائزة التي تقوم على القرآن والأدوية والأدعية المباحة. المبحث الرابع عشر: هل اتفق العلماء على أن السحر حقيقة؟الجواب: لم يتفق العلماء على جميع تفاصيل حقيقة السحر وكيفية تأثيره، وإنما اتفقوا على تحريم السحر، وثبتت في القرآن والسنة صور متعددة منه. ويمكن تلخيص اتجاهات العلماء في ثلاثة اتجاهات: الاتجاه الأول: إثبات الحقيقة والتأثيروهو قول جمهور أهل السنة، ويثبت أن بعض أنواع السحر لها تأثير حقيقي في الإنسان بإذن الله تعالى. الاتجاه الثاني: تفسير السحر بالتخييل والخداعوهو قول بعض العلماء الذين حملوا كثيراً من صور السحر على التمويه والتخييل والحيل. الاتجاه الثالث: التفصيل بين الأنواعوهو اتجاه يجمع بين النصوص الشرعية، فيثبت أن من السحر ما هو تخييل، ومنه ما هو خداع، ومنه ما قد يكون له تأثير حقيقي. وهذا التفصيل مهم جداً؛ لأنه يمنع الإفراط في إثبات كل ما يدعيه الناس، كما يمنع التفريط في النصوص التي أثبتت وجود السحر. المبحث الخامس عشر: ضوابط شرعية ينبغي أن يلتزم بها الرقاة والباحثون في السحرمن المهم أن تكون هناك ضوابط علمية وشرعية عند الحديث عن السحر وعلاجه، ومن أبرزها:
فالراقي الشرعي الحقيقي لا يصنع للمريض عدواً من أهله، ولا يحوله إلى أسير للخوف من السحر، بل يعلمه التوحيد والتوكل والذكر، ويرشده إلى العلاج المشروع. المبحث السادس عشر: الخلاصة والترجيح العلميبعد استعراض النصوص القرآنية والأحاديث النبوية وأقوال الفقهاء، يمكن الوصول إلى النتائج التالية:
كلمة أخيرةإن الإيمان بوجود السحر لا يعني أن نعيش أسرى للخوف منه، ولا أن ننسب كل ما يصيبنا إليه. فالمؤمن يعلم أن السحر لا يضر إلا بإذن الله، وأن الله سبحانه وتعالى هو الحافظ والشافي والناصر، وأنه لا قوة في الكون تعلو على قوته، ولا قدرة تخرج عن مشيئته. قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: 107]. فلا ينبغي للمسلم أن يستهين بالسحر، ولا أن يبالغ في الخوف منه، وإنما الواجب أن يلتزم التوحيد، ويحافظ على الأذكار، ويكثر من قراءة القرآن، ويأخذ بالأسباب المشروعة، ويوقن أن الشفاء بيد الله وحده. فالسحر مهما عظم خطره، فإن قدرة الله أعظم، ومكر الساحر مهما اشتد، فإن حفظ الله لعبده أقوى، ومن تعلق بالله كفاه، ومن توكل عليه هداه وحماه. المصادر والمراجع العلميةلمن أراد التوسع والتحقيق في المسألة، فهذه أهم المراجع التي ينبغي الرجوع إليها: أولاً: كتب التفسير
ثانياً: كتب الفقه
ثالثاً: كتب الحديث وشروحه
رابعاً: كتب العقيدة والفتاوى
إعداد وإشراف: الشيخ أبو آية حسن العوجي شبكة الشفاء الإسلامية الموقع الإلكتروني: www.ashefaa.com مركز الشفاء للرقية الشرعية – صيدا، لبنان. رسالتنا: نشر العلم الشرعي الصحيح، وبيان أحكام الرقية والسحر في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية، ومحاربة الدجل والشعوذة والخرافة، وترسيخ التوحيد والتوكل على الله تعالى. |
| ||
|
|
|
|
|
|
|
|
| المادة السابق |
|
|
|
|
راديو الشفاء للرقية مباشر
|
|
|
|
|
|














